لعل الأفكار تحب الحرية فتتحول إلى كلمات

Archive for أكتوبر, 2010

الموضة الفكرية


يقوم المفكر في مرحلة الصبا بزيارة معمقة لدور الأزياء العالمية الروسية و الألمانية و الشرقية و الغربية و الإسلامية واللاهوتية لينضج بنيران الرفض الفطري لطعم الواقع المر ويبدأ يعيب على مجتمعه كل دخيل بل وحتى كل أصيل ويحاول الإصلاح بالدعوة إلى أحد الموضات القديمة أو الماركات العالمية المقلدة فلا يتعب نفسه بتصميم موديل فكري جديد يتماشى مع المكان والزمان مع انه يسعى لتغيير الموضة السائدة وإذا حاول فيأتي التصميم مشوها ولا يصلح إلا كلباس سهرة فكرية فهو غير عملي للحياة اليومية.

إن العري الجسدي كالبكيني الموجود على شواطئنا البحرية أو العري الفكري كالشعوذة والخرافة والتطرف المنشر على شواطئنا البرية ما هو إلا دليل على فشل مفكرينا في تصميم الأزياء الفكرية المناسبة لمتغيرات وتحديات هذا الزمان والمكان بل وفشلهم حتى في نقل التصاميم العالمية ولن يبقى المجتمع عارياً في مواجهة حرارة الأحداث وبرودة المستقبل بل سيقوم بارتداء الزي المسيطر اجتماعيا أو إقليميا أو عالميا كل حسب ثقافته فالانسياق وراء الموضة الفكرية هي خاصية المجتمعات والأفراد وهي موجودة في الإنسان العامي البسيط كما هي موجودة عند المفكرين.

قال ابن خلدون في مقدمته “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده ” أي العامة على دين الملك كما قال، لا كما تكونوا يولى عليكم كما درج على ألسن العامة في الحديث الموضوع ، وتقليد المجتمعات يبدأ فكريا كما هي حال الأفعال والأقوال في النفس البشرية التي منبعها الإرادة المبنية على العلم، والعامة المغلوب على أمرها قد تكون رجل ريفي بسيط أو دكتور جامعي أو فتاة متحررة أو حتى شيخ متطرف و الملك قد يكون مسلسلا أمريكيا تملك القلب أو شيخا صوفيا تملك الروح أو ربما فيلسوف ألماني ملحد تملك العقل ويقول لقد مات الإله ونحن قتلناه وبالمناسبة مات هذا الفيلسوف مختل عقليا في منزل أمه بعد أن أخرجته من المصح العقلي.

بين الفينة والأخرى تصيبني نزوة فكرية  فأترك البحث وأتجرأ وابدأ بقراءة نتاج مفكرينا في هذا الزمان من المقالات والكتب فلا أجد سوى ألبسة بالية مرقعة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء وأقف حائرا من هول البلاغة اللغوية والمصطلحات العلمية لأعود فأقرأ الفكرة من جديد فإذا هي بعيدة عن العلم والعقل والمنطق وما هي إلا مجرد رأي شخصي يحاول المفكر جاهدا إضفاء صبغة الحقيقة العلمية عليها ويمارس شتى أنواع الإرهاب الفكري لغويا واستدلاليا لتحقيق ذلك والبعض لا يتورع عن الاجتزاء أو التحريف ويحلف ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وربما كنت سأظل صامتا لو كان رأيه الشخصي الخاص بل ما هو إلا رأيه الشخصي الذي يريد تعميمه والموروث عن شخصية مشهورة يمكنك معرفتها إذا قرأت سيرته الذاتية والأمثلة كثيرة فما عليك سوى تصفح السير الذاتية لأي مفكر لتعرف من مكان دراسته أو الكتب التي ألف عليها كافة أفكاره الحاضرة والمستقبلية ما لم يصب بصدمة ويغير اتجاهه ليعود فيحيي إرثا آخر من جديد.

فينبغي التحذير من هذا الإرهاب الفكري الذي يمارسه العلمانيون والمتدينون في مجتمعاتنا على حد سواء أملا منهم في تكثير أتباعهم وجماعاتهم وأحزابهم للتغطية على فشلهم العلمي والعملي وينبغي التركيز على أساليب التفكير والقراءة الواعية حتى لا نكون عبارة عن مستهلكين للألبسة الفكرية الجاهزة.

إن  تناحر مفكرينا أو تغازلهم على المنابر الإعلامية والمنتديات المرعية دون الوصول إلى نتيجة سوى صرف ميزانية مخصصة من هذه الدولة أو تلك المنظمة فيه أكبر دليل على فشلهم الفكري حتى في إقناع بعضهم البعض وهم أصحاب المناهج العلمية، والجوائز التي توزع في ختام هكذا منتديات وتجمعات من أهم زركشات الموضة الفكرية، فخصص لي ميزانية لأنظم أفضل منتدى حواري حول أهمية الملابس الداخلية كعامل في بناء المجتمع وأمنح الجائزة الذهبية للمفكر صاحب أجمل ملابس داخلية.

لم ينجح مفكرونا سوى بمصادرة حرية التفكير إلى زمن ليس ببعيد عبر إرهابهم الفكري وتحت مسميات عديدة تبدأ بالقواعد المنطقية والمناهج العلمية لتنتهي عند شروط الاجتهاد وشهادات التزكية ، بعد أن اتفقت الدول الرأسمالية والشيوعية على تأميم التفكير وجعله حكرا على الدولة وبعد أن تم أيضا بشكل عفوي انحسار منابر التعبير  لتصبح إما تابعة لسياسة الدول أو تابعة لرؤوس المال التي ترسم سياسة دول العالم الثالث والثاني والأول.

أما الآن فقد تكفلت ثورة التكنولوجيا بضمان المواد الخام للتفكير والوسائل الفعالة للتعبير فحبذا بمفكرينا أن يجمدوا أقلامهم قليلا عن التاريخ الذي شوهوه بتأويلاتهم والحاضر الذي دمروه بتجاربهم والمستقبل الذي  كفنوه بكتبهم ومقالاتهم ليتركوا لنا المجال لنقرأ الأحداث ونحللها دون ضغط بلاغتهم ونقرأ التاريخ ونتعلم منه دون انعكاسات عقدهم عسى نستطيع نحن الجيل الحالي جيل الموضة كما يسموننا أن نصنع مستقبلا أفضل.