لعل الأفكار تحب الحرية فتتحول إلى كلمات

الموضة الفكرية


يقوم المفكر في مرحلة الصبا بزيارة معمقة لدور الأزياء العالمية الروسية و الألمانية و الشرقية و الغربية و الإسلامية واللاهوتية لينضج بنيران الرفض الفطري لطعم الواقع المر ويبدأ يعيب على مجتمعه كل دخيل بل وحتى كل أصيل ويحاول الإصلاح بالدعوة إلى أحد الموضات القديمة أو الماركات العالمية المقلدة فلا يتعب نفسه بتصميم موديل فكري جديد يتماشى مع المكان والزمان مع انه يسعى لتغيير الموضة السائدة وإذا حاول فيأتي التصميم مشوها ولا يصلح إلا كلباس سهرة فكرية فهو غير عملي للحياة اليومية.

إن العري الجسدي كالبكيني الموجود على شواطئنا البحرية أو العري الفكري كالشعوذة والخرافة والتطرف المنشر على شواطئنا البرية ما هو إلا دليل على فشل مفكرينا في تصميم الأزياء الفكرية المناسبة لمتغيرات وتحديات هذا الزمان والمكان بل وفشلهم حتى في نقل التصاميم العالمية ولن يبقى المجتمع عارياً في مواجهة حرارة الأحداث وبرودة المستقبل بل سيقوم بارتداء الزي المسيطر اجتماعيا أو إقليميا أو عالميا كل حسب ثقافته فالانسياق وراء الموضة الفكرية هي خاصية المجتمعات والأفراد وهي موجودة في الإنسان العامي البسيط كما هي موجودة عند المفكرين.

قال ابن خلدون في مقدمته “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده ” أي العامة على دين الملك كما قال، لا كما تكونوا يولى عليكم كما درج على ألسن العامة في الحديث الموضوع ، وتقليد المجتمعات يبدأ فكريا كما هي حال الأفعال والأقوال في النفس البشرية التي منبعها الإرادة المبنية على العلم، والعامة المغلوب على أمرها قد تكون رجل ريفي بسيط أو دكتور جامعي أو فتاة متحررة أو حتى شيخ متطرف و الملك قد يكون مسلسلا أمريكيا تملك القلب أو شيخا صوفيا تملك الروح أو ربما فيلسوف ألماني ملحد تملك العقل ويقول لقد مات الإله ونحن قتلناه وبالمناسبة مات هذا الفيلسوف مختل عقليا في منزل أمه بعد أن أخرجته من المصح العقلي.

بين الفينة والأخرى تصيبني نزوة فكرية  فأترك البحث وأتجرأ وابدأ بقراءة نتاج مفكرينا في هذا الزمان من المقالات والكتب فلا أجد سوى ألبسة بالية مرقعة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء وأقف حائرا من هول البلاغة اللغوية والمصطلحات العلمية لأعود فأقرأ الفكرة من جديد فإذا هي بعيدة عن العلم والعقل والمنطق وما هي إلا مجرد رأي شخصي يحاول المفكر جاهدا إضفاء صبغة الحقيقة العلمية عليها ويمارس شتى أنواع الإرهاب الفكري لغويا واستدلاليا لتحقيق ذلك والبعض لا يتورع عن الاجتزاء أو التحريف ويحلف ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وربما كنت سأظل صامتا لو كان رأيه الشخصي الخاص بل ما هو إلا رأيه الشخصي الذي يريد تعميمه والموروث عن شخصية مشهورة يمكنك معرفتها إذا قرأت سيرته الذاتية والأمثلة كثيرة فما عليك سوى تصفح السير الذاتية لأي مفكر لتعرف من مكان دراسته أو الكتب التي ألف عليها كافة أفكاره الحاضرة والمستقبلية ما لم يصب بصدمة ويغير اتجاهه ليعود فيحيي إرثا آخر من جديد.

فينبغي التحذير من هذا الإرهاب الفكري الذي يمارسه العلمانيون والمتدينون في مجتمعاتنا على حد سواء أملا منهم في تكثير أتباعهم وجماعاتهم وأحزابهم للتغطية على فشلهم العلمي والعملي وينبغي التركيز على أساليب التفكير والقراءة الواعية حتى لا نكون عبارة عن مستهلكين للألبسة الفكرية الجاهزة.

إن  تناحر مفكرينا أو تغازلهم على المنابر الإعلامية والمنتديات المرعية دون الوصول إلى نتيجة سوى صرف ميزانية مخصصة من هذه الدولة أو تلك المنظمة فيه أكبر دليل على فشلهم الفكري حتى في إقناع بعضهم البعض وهم أصحاب المناهج العلمية، والجوائز التي توزع في ختام هكذا منتديات وتجمعات من أهم زركشات الموضة الفكرية، فخصص لي ميزانية لأنظم أفضل منتدى حواري حول أهمية الملابس الداخلية كعامل في بناء المجتمع وأمنح الجائزة الذهبية للمفكر صاحب أجمل ملابس داخلية.

لم ينجح مفكرونا سوى بمصادرة حرية التفكير إلى زمن ليس ببعيد عبر إرهابهم الفكري وتحت مسميات عديدة تبدأ بالقواعد المنطقية والمناهج العلمية لتنتهي عند شروط الاجتهاد وشهادات التزكية ، بعد أن اتفقت الدول الرأسمالية والشيوعية على تأميم التفكير وجعله حكرا على الدولة وبعد أن تم أيضا بشكل عفوي انحسار منابر التعبير  لتصبح إما تابعة لسياسة الدول أو تابعة لرؤوس المال التي ترسم سياسة دول العالم الثالث والثاني والأول.

أما الآن فقد تكفلت ثورة التكنولوجيا بضمان المواد الخام للتفكير والوسائل الفعالة للتعبير فحبذا بمفكرينا أن يجمدوا أقلامهم قليلا عن التاريخ الذي شوهوه بتأويلاتهم والحاضر الذي دمروه بتجاربهم والمستقبل الذي  كفنوه بكتبهم ومقالاتهم ليتركوا لنا المجال لنقرأ الأحداث ونحللها دون ضغط بلاغتهم ونقرأ التاريخ ونتعلم منه دون انعكاسات عقدهم عسى نستطيع نحن الجيل الحالي جيل الموضة كما يسموننا أن نصنع مستقبلا أفضل.

Advertisements

3 تعليقات

  1. ekbal

    الاخ محمد
    اولا جزاك الله خيرا و كتب لك الاجر …
    قرات ما كتبتم وان سمحتم لي اريد ان اعقب كما يلي :
    اولا
    الاسلام ليس الاسم موضع مقارنة مع ثقافات و عادات شعوب ولم يكن يوما له دور عرض فمن الاساءة ذكره بسياق حديث يناقش شعوبا , الاسلام دين حياة و… ليس شعار جماعة او منبر امة انه دين من خلق الاكوان فمن التقصير بمكان ان نقاربه مع نتاج المخلوقات .
    ثانيا :
    الفكر … الفكر منبر الناس ولا يمكنك ان تقول ان فكر شخص او امة انه فارغ او انه ليس بصحيح طالما لا يوجد قاعدة لضبط الفكر فما تراه انت ناقصا يراه غيرك كاملا وهكذا طالما ليس هناك قاعدة مشتركة بينكما تضبط الصحيح من الزائف .فمن حق الجميع التفكير و من حق الجميع الدفاع عن افكارهم و من حق الله وحده محاسبتهم .
    ونحن كمسلمين موقنين بصحة دينا و تعاليم ربنا نجتمع على هدف واحد مهما كثرت التوجهات و نبدأ من نقطة واحدة.
    ثالثا :
    ما كان الفكر يوما حكرا على اشخاص او مناط بحكومات كان دائما من مفكرين مبدعين ,كان الفكر دوما ميداننا ,مفكرونا ابعدوا و منهم قتل و دواليك ,كتب احقرت افكار سحقك و ضياع عم .
    الحل :
    الحل ان نعود لنفكر من جديد ان نعرف ماذا نريد من تفكيرنا و من اين نبدأ و هذا امر اراه مستحيل التحقيق في جيلنا هذا فعلينا ان بدا بتربية اطفالنا ان يكون اصحاب افكار ان نلقنهم لماذا نحن على هذه الاض و ما هدفنا و ستجد ان مفكرين شبان و شابات سيكونون قادرين على احداث التغيير بإذن الله

    05/10/2010 عند 11:48 صباحًا

  2. شكرا اقبال على تعليقك
    أولا:
    من المتعارف عليه التفريق بين لفظ الإسلام ولفظ الإسلامية ولذلك استخدمتها فإذا كان هناك مصطلح آخر يعبر عن مجموعة آراء المذاهب الإسلامية الرجاء ذكره لاستخدمه
    فمن الؤكد أنا لا أعني الإسلام كدين فأنا مسلم ومؤمن بأن الإسل…ام ليس محل مقارنة مع أي ثقافة أو حتى دين
    ثانيا:
    لم أفرغ الفكر بشكل كامل ولكن قلت أنه غير مناسب ولا يقينا البرد أو الحر
    وأنه على الأعم الأغلب عبارة عن تقليد لفكر قديم وضع لغير زمان ولغير مكان ولو كان الفكر صحيحا لما كان هذا هو حالنا وانا أؤيد أنه من حق الجميع التفكير ولكن بدون ضغوط ستؤدي إلى نتائج مسبقة وحرية الفكر والتفكير والتعبير لها موضوع خاص
    وبالنسبة للإسلام مرة أخرى فأقول إن المفكرين الإسلاميين ولا اقصد شيوخ المساجد بل اقصد المفكرين أصحاب الفكر بغض النظر عن الاختصاص (هندسة – دين – طب – سياسة) اليوم يتحملون النصيب الأكبر من الملامة فهم العلماء الذين يجب عليهم ايجاد الحلول
    يا علماءنا يا ملح البلد .. ما يصلح الملح إذا الملح فسد
    ثالثا:
    بما أنك قلت أنهم ابعدوا وقتلو فهذا يعني أنه أصبح حكرا
    الحل:
    هذا ما قلته نعود لنفكر ولكن بدون ضغوط وبدون تقليد أعمى
    وكلمة مستحيل ليس مكان ذكرها في الحل فكلمة حل ضد مستحيل

    05/10/2010 عند 11:53 صباحًا

  3. التنبيهات: مقاطعة المنتجات التونسية واجب وطني « محمد شكو

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s