لعل الأفكار تحب الحرية فتتحول إلى كلمات

Posts tagged “الثورات الشعبية

تحليل نظرية المؤامرة اليوم وقبل الميلاد


تعريف نظرية المؤامرة:

نظرية المؤامرة فلكلور وثقافة سائدة في المجتمع، غموضٌ حول قضيةٍ ما، لا يستطيع الفرد الهروب من تبني رأيٍ فيها، بالرغم من غياب أو تغييب المعلومات المحيطة بها، فيلجأ لتبني نظرية المؤامرة عن طريق الانسياق أو التلقين، وقلة تتبناها كاعتقاد مبني على تفكير عميق.

الجميع يتحرك بناءاً على مصلحته المادية العاجلة أو الآجلة والبعض يتحالف بشكل علني أو سري لتحقيق هذه المصلحة، ولعل التحالف السري لتحقيق المصلحة المادية العاجلة هو أبسط تعريف للمؤامرة، نظرية المؤامرة ذات بعد كلي وجزئي، لها مستويات متعددة، الجامع بين كل هذه المستويات أو الأنواع هو عدم وجود أدلة علمية أو صريحة مادية والاعتماد التام على تفسير لأقوال وأفعال لأشخاص و جهات تُعتبر متآمرة على الشخص أو الجهة المتآمر عليها.

أنواعها:

أعلى المستويات للنظرة الكلية للمؤامرة هو الإيمان بوجود قوى خفية تتحكم في كل العالم ويمثلها بوجه من الوجوه الإيمان بالماسونية واتصال الكائنات الفضائية بجهات أرضية ، تتدرج المستويات الكلية نزولاً إلى الإيمان بتحالف عالمي أو إقليمي أو عرقي ضد دولة أو ديانة أو قومية أو فكر، أما المستوى الجزئي لنظرية المؤامرة أو الفردي، قد يأخذ منحنيات مرضية كجنون الارتياب وقد يكون طبيعياً عفوياً كإيمان إحدى القريبات من العائلة بوجود عمل سحر من إحداهن لتفريقها عن زوجها ولو تم نفي ذلك من كبار شيوخ فك السحر،

أسبابها:

التفكير التسلسلي والتراكمي التجميعي رياضياً يؤدي إلى حقائق علمية، لكن التفكير التسلسلي والتراكمي التجميعي الإنساني والاجتماعي إذا لم يكن محكوماً بقواعد استنباط واستنتاج علمية قد يؤدي إلى منزلقات خطيرة ،لعل أولها نظرية المؤامرة بنوعها المَرَضي وآخرها الحركات التكفيرية التي تسلسل تكفيرها من أعلى الهرم إلى أدناه فاستباحت الدماء والأعراض وما أحداث الجزائر عنا ببعيد ،وهنا أتكلم عن التكفير كشذوذ في الفكر الإنساني وليس الحكم شرعي بالرغم من اعتماده على نصوص شرعية وذلك لأن إسقاط النصوص الشرعية على الواقع يقوم على علوم إنسانية كالسياسة والاجتماع و اجتهاد شخصي قد يكون مخطئاً وقد يكون مَرَضياً ويؤدي إلى ظهور مذاهب وأفكار شاذة ومتطرفة. والجامع بين هذا الشذوذ الديني ونظرية المؤامرة هو التفكير المتسلسل والمتراكم بتجميع روايات وإسقاطات وتفسيرات فردية ، يؤدي هذه التراكم والتجميع إلى تشكل قناعة راسخة تتحول بتسلسل الأحداث من فكر السياسي أو رأي فكري إلى يقين غير قابل للنقاش أشبه بالعقيدة الدينية.

أمثلتها:

أحداث 11 أيلول في أمريكا تم ربطها بالمؤامرة ومن أحد دعائم النظرية مقابلة في النهار اللبنانية مع السيد حسين فضل الله تحدث فيها عن تغيب جميع اليهود عن مركز التجارة العالمي ساعة الحادثة بدون أي دليل سوا مقولة ذكرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية، وانتشرت هذه الإشاعة لتصبح حقيقة ودعامة للنظرية،

اليوم زلزال اليابان يظن البعض أنه بتدخل أمريكي وتعود الفكرة إلى تصريح للرئيس الفنزويلي تشافيز عن زلزال هايتي بأنه بتدبير أمريكي بناءً على تقرير سري للأسطول الروسي عن تطوير سلاح زلزالي أمريكي، فكان لكلام تشافيز الأذن الصاغية لصناع نظرية المؤامرة ولم يسمع أحد نفي الأسطول الروسي لصحة ذلك التقرير ووصفه تصريح تشافيز بالخيال العلمي.

أين تكثر نظرية المؤامرة؟

نظرية المؤامرة هي الحاكمة تقريبا لإعلام وسياسة وأحزاب دول العالم الثالث والثاني وقلما نسمع كلمة مؤامرة في إعلام وسياسة العالم الأول إلا بأدلة وفضائح من نمط ويكيليكس (المتَّهم بالمؤامرة) وأنصاره أو على الأقل مسائلة من برلمانيين وأعضاء مجلس شيوخ للتحقيق في مزاعم فيتم تشكيل لجان مدنية أو عسكرية مستقلة عن المؤسسة محل القضية لحلها، ليظهر بالوثائق فضائح عن اتفاقات سرية بين شركات ومسؤولين لتتحول من أسرار يتبجح بمعرفتها قلة من النخب الثقافية إلى حقائق وقضايا رأي عام يبدأ بالضغط لمحاسبة الجهات المسؤولة. فنظرية المؤامرة صحيحة إذا ما تم إثباتها بأدلة مادية لا تحتمل التأويل كما يتم في العلوم الجنائية وكما يتم في دول العالم الأول مع التحفظ على هذا التقسيم لدول العالم.

ولعل سبب كثرتها في دول العالم الثالث والثاني هو انشغال المثقفين بقضايا تجاوزها العالم الأول، كمحرك الثورات الشعبية (الحرية، الكرامة، الخبز)، والاحتلال ،والخروج من حلقة الفقر والجهل المفرغة، فتبقى الساحة فارغة لكل من أحب ودَب (بفتح الدال) ليخترع نظرية مؤامرة.

تطور النظرية في بعض البلدان:

وكما يجمع بين نظرية المؤامرة والتكفير طريقة الاستدلال والاستنباط يجمع بينهما ما يميز دول العالم الثالث والثاني وهو تهمة التخوين أي الخروج عن الجماعة التي تحتكر الحق وتتميز نظرية المؤامرة بفكرة الارتباط بالمتآمرين عضويا ومادياً بينما يقتصر التكفير على الارتباط الفكري والوجداني بالكافرين.

ففي الدول الدينية حيث يحكم رجال الدين أو الدول شبه الدينية حيث يحكم رجال السياسة بمباركة رجال الدين، يبرز نوع هجين من نظرية المؤامرة التكفيرية التي لا تكتفي بالعداء المادي والفكري للشخص محل الاتهام بالارتباط بالجهات المتآمرة حتى لو لم تثبت التهمة، بل يتعداه لعداء وجداني وكره ديني ليتحول الفكر السياسي إلى تجمع طائفي يرفض الرأي الآخر ويخونه ويعتبره مرتبط عضوياً مع العدو، دمه وماله وعرضه حلال، وما هذه الأحكام إلا نظرية قوامها الكلام والإعلام، تظلم الضعيف بدون رحمة وتقاوم التغير والإصلاح بالشك والارتياب كما قالت ثمود “يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ” سورة هود.

Advertisements

ماذا حل بالفيسبوك والتويتر بعد الثورات وماذا سيحل بنا؟


فيسبوك فقد النقاء السياسي، فزحف قوى الموالاة والمعارضة من قمعستان أفقده ما كان يميزه ويميز مجموعاته أثناء ثورة تونس ومصر وما قبلهما ، المجموعات كانت تتألف من الأغلبية الصامتة ومن الشباب المثقف الواعي أو على الأقل الشباب الغير سياسي. ولكن اليوم أصبح الفيسبوك واجب وطني، تريد قوى المعارضة إثبات حضورها عليه لتحرير البلاد والعباد ولو بدعوات لا تلقى تجاوب يذكر ،وتريد قوى الموالاة الدفاع عن المقدسات والمنجزات الأسطورية وإثبات الحضور والولاء عن طريقه ولو بطريقة البلطجية في بعض الأحيان.


تويتر يحتضر ،فالزحف الشديد عليه أصابه بانهيار جزئي ،عند الدخول عليه ستُفاجأ بشكل متكرر برسالة “هناك ضغط كبير الرجاء المحاولة في وقت لاحق” ،بالإضافة إلى أن دور تويتر الرئيسي بنقل الأخبار من قلب الحدث تقلص بسبب سُرعة التعلم عند حكومات دولنا المتطورة فعند أدنى مشكلة تقطع الإنترنت أو يتم إبطاؤها وإبطاء الدخول على تويتر بشكل خاص وهذا أمر ممكن ومطبق تقنياً كما أصيب بداء التسييس الحاصل مع ابن عمه الألماني الفيسبوك، بالإضافة إلى تحوله لمنبر للقنوات الإخبارية التقليدية التي سارعت لتحجز مكانها فيه مما أفقده حيويته الشبابية والواقعية.

ماذا حل بالثورات الشعبية؟!

الثورات الشعبية اليوم في عنق الزجاجة الليبية وما زال الوضع ضبابياً في اليمن ،والألسن الرسمية التي تدعو بالخلاص لليبيا الكثير منها يتمنى خرابها لتنضم إلى غول التجربة العراقية فيتم وأد آمال الشباب تحت ثنائيات السياسيين الجدلية بصيغة تونس ومصر أم العراق وليبيا ،ولكن يبقى الرهان على جيل الشباب الذي أثبت جدارته بشكل كامل في تونس ومصر وبشكل جزئي في غيرهما كالمغرب، ليحبط مخطط الأنظمة ومثقفيها الذين بدأوا شحذ أقلامهم على جثث أهلنا في ليبيا.هم الساسة والمحللون والمؤسسات الإعلامية حيث تتدخل يعم الخراب ويكثر الجدال العقيم وهذا ما بدأ يحصل، لكن لن أودع ثورة الشباب فهي مازالت موجودة في مصر وتونس وآثارها ستغير خطط العالم القريب والبعيد ،بل سأودع تونس ومصر فقد فارقت قمعستان إلى غير رجعة إن شاء الله.

ماذا حدث حتى الآن؟َ

تحررت تونس ومصر وتغيرت مفاهيم شعبية استمرت لعدة عقود، فالانقلاب في منطقتنا لم يعد خاصاً بمجموعة من الضباط بل أصبح عاماً ضد مجموعة من الضباط، والتغيير تحول من مفهوم يحكمه اليأس إلى مفهوم يحكمه الأمل ولو بشكل جزئي، والجيش تحول من أداة للإبادة الجماعية إلى عنصر أمن واستقرار، التاريخ تعاد كتابته ليتحول من تمجيد الإنجازات إلى فضح السرقات، الذئاب البشرية تحولت إلى كلاب تعوي وتعض وقد تقتل لكن لم تعد تخيف ،الدور الحقيقي للأحزاب السياسية الحالية (موالاة ومعارضة) ودور الإعلام الحكومي وشبه الحكومي انكشف بشكل يدعو للضحك والبكاء.

ماذا سيحدث بعد الآن؟

ستنفجر القنبلة السكانية المصرية والقنبلة المثقفة التونسية انفجاراً ثقافياً وإعلامياً وحقوقياً وسياسياً فور ما تنعم بلدانهم ببعض الاستقرار ليعود الأزهر والزيتونة إلى دورهما القيادي في نهضة المشرق والمغرب ،وسيظهر أجيال جديدة من المعارضين والسياسيين الشباب ،فهِمَ الواقع من الأخبار (السلطة الرابعة) والإنترنت (السلطة الخامسة) ونسي ما تعلمه في مناهج التاريخ المعاصر المكتوبة حكومياً (بتعاون السلطات الثلاث). لا أتوقع تكرار التجربة المصرية (الثلاث عشرينة نسبة لعدد الأيام) والتونسية (الثماني عشرينية)، فالأدوات قد انكشفت والاحتياطات قد اتخذت وفُقد عنصر المفاجأة (الكيفي والكمي) وليبيا واليمن والبحرين على ما أقول شهيد. لكن التغيير قادم لا محالة بسيناريوهات سيبدعها جيل الشباب الذي يرتضي أن يدفع ثمن مستقبل وطنه وكرامته وحريته.الرهان الآن على القوى الليبية الداخلية في الحسم العسكري السريع وكشف التواطؤ الخفي للكثيرين مع القذافي ،فسقوط القذافي سيهز كيان العديد من الرموز العربية والإفريقية والإسلامية ،كما لم يهزها سقوط نظام بن علي ونظام مبارك لافتقادهما للمليارات النفطية الداعمة وجنون عظمة القذافي ،ولمرض بعض العقليات وعنادها فلن تقتنع بما يحصل حتى نقول لها الثالثة ثابتة.

محمد شكو

نشرت في زمان الوصل